فوانيس وأنوار تعانق التاريخ.. القصة الحقيقية لبداية زينة رمضان ومراحل تطورها عبر العصور
مع اقتراب شهر الخير، تكتسي الشوارع والبيوت بحلة من الأنوار والزينة التي تبهج النفوس، لكن هل تساءلت يوماً من هو أول من أضاء قندلاً للاحتفال بالشهر الفضيل؟ إن زينة رمضان ليست مجرد مظهر احتفالي حديث، بل هي موروث يمتد لقرون، بدأت كضرورة لإنارة المساجد وتحولت إلى أيقونة ثقافية تعكس فرحة المسلمين بقدوم خير شهور العام. وفي هذا التقرير من "تريندي نيوز"، نصحبكم في رحلة عبر الزمن لنكشف لكم من بدأ هذه الفكرة وكيف تطورت من مجرد قناديل زيتية بسيطة إلى مهرجانات ضوئية وتصاميم هندسية حديثة لعام 2026.
البداية من عهد الصحابة.. قناديل المسجد النبوي
تعود الجذور الأولى لفكرة إنارة المساجد احتفالاً بالشهر الكريم إلى عهد الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، حيث كان أول من أمر بإنارة المساجد بالقناديل وتزيينها بالبخور بمجرد ثبوت رؤية الهلال، وذلك ليتمكن المصلون من أداء صلاة التراويح والقيام في جو من السكينة والوضوح. ويذكر التاريخ أيضاً أن الصحابي الجليل "تميم الداري" كان من أوائل الذين جلبوا الزيت والقناديل لإضاءة المسجد النبوي الشريف، ومن هنا بدأت فكرة أن رمضان يرتبط بالضوء والإنارة كرمز للهدى والاحتفاء، وهي المرحلة التأسيسية التي جعلت من الزينة جزءاً من طقوس العبادة والبهجة.
العصر الفاطمي.. ولادة الفانوس والاحتفالات الشعبية
شهدت زينة رمضان نقلة نوعية كبرى في العصر الفاطمي، حيث تحولت من داخل المساجد إلى شوارع المدن وبيوت العامة. وتجمع الروايات التاريخية على أن "الفانوس" ولد كأداة للزينة في مصر عند استقبال المعز لدين الله الفاطمي في القاهرة، حيث خرج الأهالي لاستقباله بمصابيح مضيئة لتنير له الطريق ليلاً. منذ تلك اللحظة، أمر الحاكم بأمر الله بتعليق الفوانيس أمام المحلات والبيوت طوال ليالي رمضان، وكان يُكلف "المحتسب" (المسؤول عن الأسواق) بالتأكد من إضاءة الشوارع وتزيينها، مما خلق حالة من الكرنفال الشعبي الذي لا يزال صداه يتردد في حاراتنا حتى اليوم.
المرحلة العثمانية والمملوكية.. التوسع في الزينة والنقوش
في العهدين المملوكي والعثماني، تطورت صناعة الزينة لتصبح حرفة يدوية قائمة بذاتها، حيث ظهرت الفوانيس النحاسية المزخرفة بالزجاج الملون والمزينة بنقوش إسلامية هندسية. وفي هذه المرحلة، بدأت تظهر فكرة "الموائد الرحمانية" المزينة والخيام الرمضانية التي تُفرش بأقمشة "الخيامية" ذات الألوان الزاهية (الأحمر والأزرق والأسود). ولم تقتصر الزينة على الإضاءة فقط، بل امتدت لتشمل تزيين المآذن بالأعلام والأنوار الكثيفة، وهو ما يُعرف بـ "التسحير"، حيث كانت الإنارة تُستخدم أيضاً لإعلام الناس بموعد السحور والإمساك في المناطق البعيدة عن المآذن.
الزينة في العصر الحديث.. ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
وصولاً إلى عام 2026، شهدت زينة رمضان تحولاً تقنياً مذهلاً؛ فبدلاً من القناديل الورقية والنحاسية، نعيش اليوم عصر "الزينة الذكية" وشرائط الـ LED التي يمكن التحكم في ألوانها عبر تطبيقات الهواتف. تطورت الأشكال لتشمل الهلال والنجمة بتصاميم "المودرن" التي تناسب الديكورات المنزلية الحديثة، كما دخلت تقنيات "الهولوجرام" في تزيين الواجهات الكبرى للمولات والميادين، لترسم صوراً متحركة تعبر عن عبق التاريخ بلمسة مستقبلية. إن استمرار هذا التطور يؤكد أن زينة رمضان هي لغة حب عالمية تتجدد مع كل جيل، لتظل شاهدة على قدسية وفرحة هذا الشهر الكريم في قلوب المسلمين.
