تغيير الاسم … ماذا تريد السعودية فعلاً من تغيير الحزام الأمني إلى "الأمن الوطني" في عدن؟
أعلن اليوم في عدن عن تغيير مسمى قوات "الحزام الأمني" إلى "قوات الأمن الوطني" بالتزامن مع تحركات ميدانية وإجراءات أمنية تشرف عليها المملكة العربية السعودية، ضمن مساعٍ لإعادة ترتيب المشهد العسكري والأمني داخل المدينة. هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن سياق إقليمي ومحلي معقّد، تزامن مع سحب معسكرات، وإعادة انتشار للقوات التابعة للانتقالي المدعومة من الامارات، وحديث متصاعد عن تشكيل لجنة عسكرية مشتركة ودمج الفصائل ضمن أطر رسمية.
وبين من يرى في الخطوة بداية انتقال نحو نموذج أمني أكثر ارتباطًا بمؤسسات الدولة، ومن يعتبرها محاولة لإعادة تسويق واقع قائم بأسماء جديدة، يفتح هذا التغيير الباب أمام نقاش أعمق حول طبيعة التحول الحقيقي في عدن: هل نحن أمام إعادة هيكلة فعلية تنهي مرحلة الفصائل التي تأسست 2015 ويشرف عليها عبدالرحمن المحرمي، أم مجرد تعديل شكلي يستجيب لضغوط سياسية داخلية وخارجية؟ هذا التقرير يقرأ أبعاد القرار ودلالاته، في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها المدينة.
من قوة فصائلية إلى مسمى «وطني»
بحسب مراقبين تحدثوا لـ "تريندي نيوز" يحمل تغيير المسمى في جوهره محاولة واضحة لإعادة تقديم هذه القوات باعتبارها جهة «وطنية» لا مليشيات أو تشكيلات فصائلية، في مسعى لفك الارتباط الرمزي مع الانتماء السياسي والمناطقي الذي ارتبط لسنوات بالمجلس الانتقالي الجنوبي. فالاسم الجديد يوحي بالسيادة والدولة، ويُراد له أن يعكس صورة مختلفة أمام الداخل اليمني وأمام الأطراف الإقليمية والدولية.
كما أن هذه الخطوة تبدو موجهة بالدرجة الأولى لامتصاص التحفظات القائمة لدى الحكومة الشرعية، وتقديم تطمينات للمملكة العربية السعودية بوصفها اللاعب الأبرز في ملف عدن، إضافة إلى تحسين الخطاب الموجّه للمجتمع الدولي عبر استخدام مسمى ينسجم مع هياكل الدول المعترف بها قانونياً، بعيداً عن توصيفات «الفصائل» و«التشكيلات المسلحة».
خطوة تمهيدية لدمج أوسع؟
يتقاطع هذا التغيير في التسمية مع حديث متزايد عن ترتيبات أمنية جديدة، أبرزها الإعلان المرتقب عن لجنة عسكرية مشتركة، ومساعٍ لإعادة هيكلة المشهد العسكري في عدن. من هذا المنطلق، يبدو أن تغيير الاسم ليس هدفاً بحد ذاته، بل خطوة تمهيدية لتهيئة الأرضية السياسية والقانونية لدمج هذه القوات ضمن مؤسسات الدولة الأمنية، أو على الأقل وضعها تحت مظلة شكلية واحدة.
فالانتقال من توصيف «قوات الحزام الأمني» إلى «قوات الأمن الوطني» يقلل من الجدل القانوني حول شرعية هذه القوة، ويمنح أي ترتيبات قادمة غطاءً رسمياً أوسع، حتى وإن ظل هذا الغطاء نظرياً في مرحلته الأولى.
الضغط السعودي… ضبط دون تفكيك
تعكس التطورات الأخيرة أن المقاربة السعودية في عدن لا تتجه نحو التفكيك الكامل لهذه القوات، بقدر ما تهدف إلى ضبطها وتقييد قدرتها على العمل كقوة عسكرية مستقلة داخل مدينة يُفترض أن تكون ذات طابع مدني وإداري. ولذلك، يمكن فهم تغيير الاسم كجزء من سياسة إدارة النفوذ لا إلغائه، وإعادة تنظيم القوة لا إقصائها.
هذا التوجه يسعى إلى نزع الطابع العسكري الثقيل عن المدينة، مع الإبقاء على أدوات أمنية قادرة على ضبط الوضع، ولكن تحت إشراف أعلى، وبسقف سياسي وأمني لا يسمح بتكرار سيناريوهات الانفجار أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
الاختبار الحقيقي: ما بعد الاسم
رغم كل هذه الدلالات، يبقى المحك الحقيقي بعيداً عن اللافتات والمسميات. فالتغيير الفعلي لا يُقاس بتعديل الاسم، بل بما إذا كان سيشمل البنية التنظيمية، وسلسلة القيادة، والولاء السياسي، والمرجعية القانونية التي تخضع لها هذه القوات. من دون إعادة هيكلة حقيقية، وضمان خضوعها لمؤسسات الدولة، وتحديد واضح لطبيعة مهامها وعقيدتها الأمنية، سيظل التغيير شكلياً أكثر منه جوهرياً.
في هذه الحالة، لن يكون «الأمن الوطني» سوى إعادة تدوير للقوة نفسها تحت مسمى جديد، مع اختلاف الخطاب لا المضمون.
يمكن القول إن تغيير اسم «قوات الحزام الأمني» إلى «قوات الأمن الوطني» هو خطوة سياسية محسوبة، تعكس محاولة لإدارة مرحلة انتقالية معقدة في عدن، واحتواء الضغوط الداخلية والخارجية، أكثر مما تعكس حلاً جذرياً للمشكلة. هو مسعى لإعادة ترتيب المشهد وشراء الوقت، بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية وترتيبات الداخل اليمني.
وفي المحصلة، ستظل الأسماء مجرد عناوين، ما لم تتبعها أفعال حقيقية تغيّر طبيعة القوة ودورها. فعدن اليوم لا تختبر المسميات، بل تختبر من يملك القرار، ولمن تُدار المدينة، وأي مشروع دولة يُراد لها في قادم الأيام.
