ألوان

حارس الليالي الرمضانية.. أسرار وحكايا "المسحراتي" من عهد الصحابة إلى عصر التكنولوجيا

مع اقتراب ليالي شهر الخير، تعود إلى الأذهان تلك النبرة الصوتية الرخيمة التي تخترق سكون الليل، مصحوبة بدقات منتظمة على طبلة صغيرة، لتعلن عن طقس لا تكتمل روحانيات رمضان بدونه. "المسحراتي" ليس مجرد شخص يوقظ النائمين لتناول وجبة السحور، بل هو أيقونة حية وجزء أصيل من الهوية العربية والإسلامية التي صمدت لقرون طويلة أمام رياح التغيير والحداثة، حاملاً معه عبق التاريخ وتفاصيل الحارة الشعبية التي تأبى النسيان.

​البدايات الأولى وميلاد المهنة في فجر الإسلام

​لم تكن مهنة المسحراتي وليدة الصدفة، بل تمتد جذورها إلى عهد النبي محمد ﷺ، حيث كان التنبيه لوقت السحور يتم عبر الأذان. وكان الصحابي الجليل بلال بن رباح هو أول من تولى هذه المهمة بآذانه الأول الذي كان بمثابة إشارة للناس ببدء السحور، بينما كان ابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني للإمساك. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتعدد الثقافات، بدأت هذه الوظيفة تأخذ شكلاً أكثر تخصصاً واستقلالية، لتتحول بمرور الوقت إلى فن شعبي له قواعده وأدواته الخاصة التي تميزه عن غيره من المهن الرمضانية.

​رحلة المسحراتي من شوارع القاهرة إلى أزقة الشام

​تعتبر القاهرة "عاصمة المسحراتية" تاريخياً، حيث شهدت في عام 238 هجرية ظهور أول مسحراتي بالمعنى المتعارف عليه، وهو الوالي عتبة بن إسحاق. كان يطوف شوارع مدينة العسكر مشياً على الأقدام منادياً بالتوحيد، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لظهور فنانين شعبيين اتخذوا من "البازة" أو الطبلة الصغيرة رفيقاً لهم. وفي بلاد الشام والمغرب العربي، تطورت الأساليب لتشمل استخدام "النفار" أو الأناشيد الجماعية، مما جعل لكل منطقة نكهة خاصة في إحياء هذه السنة النبوية بأسلوب فلكلوري يجمع بين الدين والبهجة الاجتماعية.

​البعد الفني وتجسيد الشخصية في الوجدان العربي

​لم يكتفِ المسحراتي بالتواجد في الشارع، بل انتقل ببراعة إلى السينما والإذاعة والتلفزيون، ليصبح مادة خصبة للمبدعين. ولعل التجربة الأبرز هي تجربة الفنان الراحل سيد مكاوي والشاعر فؤاد حداد، اللذين نجحا في صياغة "شخصية المسحراتي" فنياً من خلال جمل لحنية بسيطة وكلمات عميقة تلامس القلوب. هذا التجسيد الفني ساهم في تثبيت صورة المسحراتي في أذهان الأجيال الجديدة، وحول نداءاته من مجرد تنبيه للطعام إلى رسائل وعظية واجتماعية وإنسانية تربط الصائم بخالقه وبمجتمعه.

​صراع البقاء في مواجهة المنبهات الذكية

​في ظل التطور التكنولوجي الهائل وانتشار الهواتف الذكية وتطبيقات المنبهات، يتبادر إلى الأذهان سؤال حول جدوى استمرار المسحراتي في العصر الحالي. ورغم أن الحاجة التقنية إليه قد تراجعت، إلا أن القيمة الوجدانية والجمالية لا تزال تجذب الصائمين. فالمسحراتي اليوم يمثل "نوستالجيا" رمضانية تعيد الترابط بين الجيران في الأحياء القديمة، حيث يسعد الأطفال برؤيته وينتظر الكبار سماع أسمائهم في نداءاته، مما يجعله رمزاً للمقاومة الثقافية ضد العزلة الرقمية التي فرضتها الحياة الحديثة

زر الذهاب إلى الأعلى