اليمن

تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات يتعمق في اليمن… صراع نفوذ وتنافس اقتصادي يهدد الاستقرار الإقليمي

تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة توترًا غير مسبوق في السنوات الأخيرة، بعد أن تحوّل الصراع داخل اليمن من معركة ضد الحوثيين إلى ساحة مواجهة أوسع بين الحليفين السابقين على خلفية تنافس إستراتيجي وجيوسياسي متصاعد. وتشير تحليلات خبراء وسياسات إلى أن التباينات في الأهداف الإقليمية والتنافس الاقتصادي بين الرياض وأبوظبي لعبت دورًا أساسيًا في تعقيد المشهد اليمني، مما أفرز توترات لم تشهدها العلاقات الخليجية منذ عقود.

وفي هذا السياق، فقد دخلت السعودية والامارات منذ اندلاع الأزمة اليمنية، إلى التحالف الذي تقوده الرياض ضد الحوثيين عام 2015 بدعم من المجتمع الدولي، وكان الهدف المعلن حماية الأمن الإقليمي ومنع تمدد نفوذ إيران عبر الميليشيات الحوثية. غير أن مع مرور السنوات، بدأت أولويات كلا البلدين تتباعد، إذ ركّزت الرياض على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والحفاظ على وحدة اليمن، بينما توسّعت أبوظبي في دعم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى حكم ذاتي أو انفصال في الجنوب، مما أدّى إلى تحويل اليمن إلى مسرح تفاوض ونفوذ بين القوى الإقليمية.

وتعكس الدوافع وراء هذا التوتر عوامل متعددة، من بينها التنافس الاقتصادي والإستراتيجي في المنطقة. فقد دخلت السعودية بقوة في جذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين مقار الشركات العالمية في إطار رؤيتها المستقبلية لبناء اقتصاد متنوع قائم على التكنولوجيا والبنية التحتية المتقدمة، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع الإمارات التي لطالما اعتبرت دبي وأبوظبي مركزًا إقليميًا رائدًا في المال والأعمال، والموانئ والخدمات اللوجستية. يرى محللون أن هذه المنافسة ليست مجرد خلاف تقليدي، بل هي معركة على النفوذ الاقتصادي والإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يظهر بوضوح في السياسات التي اتخذتها كل دولة في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، استخدمت بعض الأطراف المتصارعة أدوات عسكرية وسياسية لتنفيذ أجنداتها، وهو ما تجلّى في اليمن. فبينما حاولت السعودية الحفاظ على علاقات سياسية ودبلوماسية كبيرة مع الحكومة اليمنية المعترف بها، دعمت الإمارات فصائل محلية في الجنوب، ما أدّى إلى صدامات داخلية جديدة وتوسع نفوذ المجلس الانتقالي في عدة محافظات جنوبية. وهذه التحركات أدّت إلى توتر علاقات البلدين، حتى اتخذت السعودية موقفًا حازمًا ضد بعض الخطوات التي وصفتها بأنها تمثّل تهديدًا للأمن القومي السعودي بعد أن توسّعت هذه القوات باتجاه المناطق القريبة من الحدود السعودية، ما زاد من حدة الخلاف.

وتؤكد تقارير غربية أن هذا التنافس وصل إلى ذروته مؤخرًا عندما اتهمت المملكة الإمارات بدعم زعماء انفصاليين وقيام بنقلهم إلى خارج اليمن، وهو ما أثار استياء سعودي رافقه اتهامات رسمية من وزارة الخارجية السعودية بخرق قواعد التحالف وتجاوز الخطوط الحمراء. وقد أدانت الدبلوماسية السعودية هذه الخطوات ودعت إلى انسحاب الدعم العسكري لأي طرف داخل اليمن وضرورة احترام السيادة اليمنية واستقرارها، في وقت لا تزال الأجواء الإقليمية متوترة بين الطرفين.

على الرغم من هذا التصعيد، تؤكد مصادر اقتصادية أن العلاقات التجارية بين السعودية والإمارات ما تزال قوية نسبيًا، إذ بلغ التبادل التجاري بينهما مستويات مرتفعة مع استمرار الاستثمارات المتبادلة في عدد من القطاعات، وهو ما يشير إلى أن الاقتصاد لا يزال جسراً يحتمل إعادة بناء الثقة بين الدولتين، رغم الخلافات السياسية المتصاعدة.

يبقى اليمن، في نهاية المطاف، حلقة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والسياسات الاقتصادية والاستراتيجيات العسكرية، ما يجعل حلّ الأزمة اليمنية مرتبطًا ليس فقط بالجهود المحلية والدولية، بل وبقدرة السعودية والإمارات على إيجاد تفاهمات جديدة تُعيد توازن العلاقات الثنائية، وتُجنّب المنطقة مزيدًا من الاضطرابات

زر الذهاب إلى الأعلى