ألوان

أسرار المائدة الملكية.. جولة في عمق المطبخ السعودي وتشكيلة إفطار لا تغيب عن منازل المملكة في رمضان

​تتحول المنازل السعودية مع غروب شمس كل يوم في شهر رمضان المبارك إلى خلايا نحل نابضة بالحياة، حيث تفوح روائح التوابل والبهارات الشرقية الأصيلة لتعلن عن اقتراب موعد "سفرة الإفطار". ولا تعكس المائدة السعودية مجرد أصناف طعام عادية، بل هي سجل تاريخي يدمج بين كرم الضيافة النجدية، وعراقة الأطباق الحجازية، ونكهات المنطقة الشرقية والجنوبية. في هذا التقرير الحصري لـ "تريندي نيوز"، نغوص في تفاصيل المائدة السعودية التي تجمع العائلة حول موروث غذائي فريد، ونستعرض الأطباق "السيادية" التي لا تكتمل فرحة الصائم بدون وجودها، وكيف حافظت هذه الوجبات على بريقها أمام موجات الأطعمة الحديثة.

​أيقونة الافتتاح.. القهوة السعودية والسمبوسة وحكايات الوفاء للموروث

​تبدأ طقوس الإفطار في المملكة بكسر الصيام على حبات التمر الفاخر، الذي تشتهر به أرض الجزيرة العربية، ليليه فوراً حضور "القهوة السعودية" الشقراء المفعمة برائحة الهيل والزعفران والمسمار. هذه القهوة ليست مجرد مشروب، بل هي مفتاح الضيافة الذي يمهد الطريق لطبق "السمبوسة" المقرمش. وتعتبر السمبوسة، بحشواتها المتنوعة من اللحم البلدي أو الأجبان الفاخرة، القاسم المشترك الأكبر في جميع مناطق المملكة؛ حيث تتفنن ربات البيوت في تشكيل عجينتها الرقيقة سواء عبر القلي التقليدي أو باستخدام التقنيات الحديثة لتقليل السعرات، مما يضمن توازناً مثالياً بين الطعم الأصيل والصحة العامة.

​سلطان السفرة.. الجريش النجدى وشوربة الحب الحجازية

​عند الانتقال إلى المرحلة الثانية من الإفطار، تبرز الأطباق التي تمنح الصائم الدفء والارتواء، وعلى رأسها "الجريش" الذي يلقب بـ "سيد الأطباق" في المنطقة الوسطى. يتم تحضير الجريش من القمح المجروش المطبوخ باللبن واللحم حتى يذوب تماماً، ويُتوج بـ "المسمنة" البصل المحمر الذي يضفي نكهة لا تقاوم. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل "شوربة الحب" التي تتسيد الموائد في المنطقة الغربية، وهي شوربة غنية بحبوب القمح الكاملة وقطع اللحم، وتتميز بتوليفة بهارات تجعلها الطبق المثالي لتهيئة المعدة بعد ساعات صيام طويلة، مما يعكس ذكاء المطبخ السعودي في تقديم وجبات متكاملة غذائياً.

​الكبسة والسليق.. عمالقة الوجبة الرئيسية وتنوع الجغرافيا السعودية

​لا يمكن الحديث عن مائدة سعودية دون ذكر "الكبسة"، وهي الوجبة الوطنية التي تتربع على عرش الوجبات الرئيسية. وتتميز الكبسة السعودية ببهاراتها الخاصة وطريقة طهي الأرز مع اللحم أو الدجاج ليمتص كافة النكهات. ومن جهة أخرى، يبرز "السليق الحجازي" كأحد أرق الأطباق وأكثرها طلباً، حيث يطبخ الأرز مع الحليب حتى يصل لدرجة الليونة المطلوبة، ويقدم بجانب "الدقوس" الحار لكسر حدة الدسامة. هذا التنوع يعكس الاتساع الجغرافي للمملكة؛ فبينما يميل أهل الشمال إلى الأطباق القوية، يفضل أهل الجنوب "العريكة" و"المعصوب" التي تمد الجسم بطاقة هائلة، مما يجعل المائدة السعودية لوحة فنية متنوعة النكهات.

​اللقيمات والحلويات التراثية.. مسك الختام قبل صلاة التراويح

​تختتم المائدة السعودية رحلتها اليومية بمذاق سكري مميز يمثله طبق "اللقيمات" الذهبية، وهي كرات العجين المقلية التي تُغمس في دبس التمر أو العسل وتُرش بحبات السمسم. تحرص العائلات السعودية على تقديم اللقيمات بجانب القهوة مرة أخرى في جلسة عائلية دافئة تسبق التوجه للمساجد لأداء صلاة التراويح. إن سر استمرار هذه الأطباق لقرون طويلة يكمن في بساطة مكوناتها وعمق ارتباطها بالهوية الوطنية، حيث يجد فيها الصائم الراحة النفسية والغذائية التي يبحث عنها، مما يجعل الإفطار السعودي تجربة اجتماعية فريدة تتجاوز مجرد تناول الطعام.

زر الذهاب إلى الأعلى