ألوان

بين العلم والجدل الأخلاقي.. قصة امرأة إسبانية أصبحت "أماً وجدة" لنفس الطفلة في واقعة هزت العالم

​في واقعة تخطت حدود الخيال العلمي وأثارت عاصفة من التساؤلات الأخلاقية والقانونية، تصدرت الممثلة ومقدمة البرامج الإسبانية الشهيرة "آنا أوبريغون" عناوين الصحف العالمية بعد إقدامها على خطوة غير مسبوقة في تاريخ الإنجاب البشري. القصة التي بدأت بمأساة رحيل ابنها الوحيد، تحولت إلى قضية رأي عام عالمي بعدما نجحت في إعادة جينات ابنها المتوفى إلى الحياة مرة أخرى، لتضع العالم أمام معضلة حقيقية حول حدود التدخل الطبي في صياغة مفهوم الأسرة والنسل، وما إذا كان العلم قد تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها الطبيعة والأديان.

​وصية من خلف القبر ورحلة البحث عن الحياة

​بدأت خيوط هذه الواقعة المثيرة في عام 2020، حين فقدت أوبريغون ابنها الشاب "أليس" بعد صراع مرير مع مرض السرطان وهو في السابعة والعشرين من عمره. ومع رحيله، ظن الجميع أن سلالة الشاب قد انقطعت، إلا أن المفاجأة كانت في كشف الممثلة عن رغبة ابنها الراحل في أن يصبح أباً حتى بعد وفاته. حيث تبين أن الشاب قام بتجميد عينات وراثية قبل بدء رحلته العلاجية، وهي الخطوة التي اعتبرتها الأم "وصية مقدسة" دفعتها لشد الرحال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتيح القوانين هناك تقنيات "تأجير الأرحام" التي يحظرها القانون الإسباني، لتبدأ معركة إعادة إحياء أرث ابنها الجيني.

​لغز الهوية.. كيف تجتمع صفتي الأم والجدة في امرأة واحدة؟

​المفارقة التي أصابت المتابعين بالذهول تكمن في التشابك المعقد للأدوار العائلية لهذه الطفلة القادمة من "أب متوفى". فمن الناحية البيولوجية والجينية، تعتبر "آنا أوبريغون" هي الجدة الحقيقية للطفلة، كونها تحمل المادة الوراثية لابنها الراحل مع بويضة من متبرعة مجهولة. ولكن من الناحية القانونية، قامت أوبريغون بتبني الطفلة رسمياً لتصبح "ابنتها" على الأوراق الثبوتية. هذا التداخل المربك جعل الطفلة تنادي جدتها بـ "أمي"، بينما تمثل في الحقيقة امتداداً جينياً لشخص لم تره ولن تراه، مما أشعل نقاشاً حقوقياً حول الأثر النفسي والاجتماعي على طفل يولد في مثل هذه الظروف المعقدة.

​صدام القوانين والشرائع في مواجهة "العبث الطبي"

​لم تكن عودة أوبريغون إلى إسبانيا بالطفلة "ساندرا" هادئة، بل فجرت صراعاً سياسياً وتشريعياً وصل إلى أروقة البرلمان الإسباني. فقد انقسم الشارع العالمي بين متعاطف يرى في الأمر "انتصاراً للحب والوفاء" لذكرى الابن، وبين معارضين بشدة اعتبروا الواقعة "عبثاً بقوانين الفطرة" واتجاراً بالأرحام واستغلالاً للتقدم العلمي في إشباع رغبات شخصية على حساب كرامة الموتى وحقوق الأجيال القادمة. وفي المنطقة العربية، قوبلت القصة باستهجان واسع، حيث أكد الكثيرون على أهمية التشريعات الدينية التي تحرم اختلاط الأنساب وتضع ضوابط صارمة للإنجاب تضمن كرامة الإنسان ووضوح نسبه.

​مستقبل الإنجاب في عصر "ما بعد الوفاة"

​تفتح قضية أوبريغون الباب أمام تساؤلات مرعبة حول مستقبل البشرية؛ فهل سنشهد في القريب العاجل جيشاً من الأطفال يولدون لآباء رحلوا قبل عقود؟ وهل ستتحول الجينات البشرية إلى "سلع" يمكن التلاعب بها خارج إطار الأسرة الطبيعية؟ يرى خبراء الأخلاقيات الحيوية أن هذه الواقعة تمثل جرس إنذار للمجتمعات الدولية لسن قوانين عالمية تمنع تجاوز الحدود الطبيعية للولادة، مؤكدين أن حق الطفل في الحصول على "أسرة طبيعية" يجب أن يتقدم على رغبة الكبار في "تعويض الفقد"، مما يجعل قصة أوبريغون نموذجاً للدراسة في كيفية مواجهة تداعيات العلم حين يتصادم مع القيم الأخلاقية الثابتة.

زر الذهاب إلى الأعلى