بعيداً عن الأجهزة الإلكترونية.. عودة الألعاب الشعبية الخليجية لتزيين ليالي "الفريج" في رمضان
في الوقت الذي اجتاحت فيه التكنولوجيا الرقمية كافّة تفاصيل حياتنا اليومية، تبرز في ليالي رمضان عام 2026 ظاهرة لافتة تعكس حنيناً جارفاً للماضي؛ حيث بدأت الألعاب الشعبية الخليجية تستعيد بريقها داخل المجالس والحدائق المنزلية. هذه الألعاب ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل هي "ذاكرة حية" تربط جيل الشباب بجذورهم الأصيلة، وتخلق أجواءً من الحماس البدني والذهني الذي تفتقده الألعاب الافتراضية. في هذا التقرير الحصري من "تريندي نيوز"، نستعرض كنزاً من الألعاب التراثية التي عادت لتتصدر المشهد الرمضاني، وكيف تحولت من أزقة "الفريج" قديماً إلى تريند عصري يجمع العائلة في عام 2026.
طاق طاق طاقية.. سيمفونية الحركة والذكاء في الدائرة الرمضانية
تعتبر لعبة "طاق طاق طاقية" واحدة من أكثر الألعاب انتشاراً وجذباً للأطفال في التجمعات العائلية، فهي تعتمد بشكل كلي على سرعة البديهة واللياقة البدنية. تبدأ اللعبة باجتماع الصغار في حلقة دائرية، بينما يدور لاعب واحد حولهم منشداً أهازيجاً تراثية تطرب لها الآذان، محاولاً وضع "الغترة" أو قطعة قماش خلف أحد اللاعبين ببراعة وسرية تامة. تكمن الإثارة في لحظة الاكتشاف، حيث ينطلق اللاعب في مطاردة حماسية لاستعادة مكانه، مما يضفي روحاً من المرح والضحك التي تعيد إحياء ليالي رمضان التراثية في قلب البيوت العصرية.
المصاقيل والدحروي.. مهارات الدقة والتوازن التي تتحدى الجيل الجديد
لم تكن الألعاب الشعبية يوماً مجرد لهو عابر، بل كانت مدرسة لتعليم الدقة والتركيز، وهو ما نلمسه في لعبة "المصاقيل" أو "التيل". هذه الكرات الزجاجية الملونة تتطلب من الطفل قدرة فائقة على التحكم في الأعصاب والتصويب نحو الهدف بدقة متناهية. وعلى ذات المنوال، تأتي لعبة "الدحروي" لتختبر توازن الصبيان وقدرتهم على توجيه الإطار المعدني بعصا خشبية لمسافات طويلة. هذه الألعاب تعود اليوم لتكون بديلاً صحياً وممتعاً يشجع الأطفال على الحركة وتنمية مهاراتهم الحركية الدقيقة، بعيداً عن خمول الشاشات والهواتف الذكية.
لعبة الصبّة والخبصة.. شطرنج الخليج القديم واختبارات قوة الملاحظة
من جانب آخر، يبرز الذكاء الاستراتيجي في لعبة "الصبّة"، التي يصفها الكثيرون بأنها "شطرنج الخليج" لبساطتها وعمقها في آن واحد. تعتمد اللعبة على رسم مربعات هندسية على الأرض واستخدام الأحجار للتخطيط وإغلاق الطرق على الخصم، وهي تماثل في قوتها الذهنية أعقد ألعاب الألغاز الحديثة. أما لعبة "الخبصة"، فتمثل قمة المتعة في اختبار قوة الملاحظة والحظ، حيث يتم إخفاء غرض صغير داخل أكوام من الرمل، مما يثير حماس الحاضرين في محاولة التخمين الصحيح. هذه الألعاب الذهنية تعد وسيلة مثالية لتمضية الوقت بين صلاتي التراويح والقيام، وتناسب كافة الأعمار.
لماذا أصبحت العودة للتراث ضرورة في مجتمع 2026؟
إن الاهتمام المتزايد بإحياء هذه الألعاب في رمضان الحالي يعود إلى رغبة الأسر في تعزيز الروابط الاجتماعية المباشرة وتقليل العزلة الرقمية. فالألعاب الشعبية تفرض نوعاً من التواصل البصري والحركي الذي يقوي الروابط الأسرية ويخفف من ضغوط الحياة الحديثة. كما أنها تساهم في تعريف الأجيال الجديدة بهويتهم الخليجية وقيم "الفريج" القديم التي تقوم على التعاون والمشاركة. إن تحويل هذه الألعاب إلى جزء من الجدول الرمضاني اليومي ليس مجرد ترفيه، بل هو استثمار في صحة الأطفال النفسية والبدنية، وضمان لاستمرارية موروثنا الشعبي العظيم.
